بقلم: جنى نابوت
منذ
يومين، وأنا أمشي بمدينة رام الله في منتصف الليل، أسأل نفسي، لما يحب الجميع
مدينتي؟ ما المميز فيها؟ أذكر قديماً تفاصيلها الجميلة، ببيوتها، وناسها، وحتى
شروقها وغروبها. أما الآن، لم أعد أرى أي تفاصيل تشدني إليها كالسابق. يوم الخميس
عند المعظم هو اليوم الذي يخرج فيه كافة الناس هنا وهناك... أمشي قدماً تلو
الأخرى، أرى الشباب متأكين على أبواب المحلات المغلقة، وغيرهم عند بيوت درج بنايات
لم تتواجد في السابق. أسأل نفسي، وأحاول اأن أتذكر، هل كانت رام الله هكذا قديماً؟
لا أذكر. يوماً تلو الآخر تتغير ملامحها أكثر فأكثر. إلى متى؟
الشروق،
والغروب أذكر تمكني من رؤيته كل يوم من شرفة منزلي. لطالما قمنا بتسمية إحدى
الشرفات بالبرندة الشرقية كوننا نرى الشروق منها، والبرندة الغربية كوننا نرى
الغروب منها. أما الآن، بقي اسمها هكذا لكن دون رؤية أي من ذلك. فبيوت حيّنا كلها
أضمحلت، هُدِمَت، وتم بناء مكانها بنايات ضخمة بشعة، غطّت الشروق والغروب، الجبل
المقابل، وحتى لم يعد هناك شجر. بيتي الكائن في شارع الشجر، كلّما كنت أصف عنوانه
لشوفير تكسي، يضحك. وكل مرّة أسأله وكأني جاهلة، ما سبب ضحكك؟ يجيب: "يا بنتي
هاد كان اسمه شارع الشجر من كثر الشجر اللي فيه من اليمين والشمال، أما اليوم
بإمكانك تسميه شارع الشجرة، هاد إذا
ظل فيه شجرة وحدة من الأساس!".
حيّنا،
كانت تسكنه شكرية رحمة الله عليها وأم كاسترو الله يسهّل عليها. كلتاهما اضطررن
الخروج من منزلهن. تم إنشاء مكان إحداهما بناية مازالت قيد الإنشاء، تجاريّة بحت،
ولتأكيد مدى تجاريتها وصفها صاحبها بأنها تشرف على الساحل. والأخرى، بناية لا أدري
مدى نجاحها، مقابل مسجد عبد الناصر. الأخيرة لم أدخلها منذ خروج خالتي أم كاسترو
منها. آخر زياراتي لها عندما كانت أمي تخبز الكعكة خصيصاُ لها وتحملها كنوع من "لا
يجدر بنا دخول بيت بأيدٍ فارغة". أذكر أني كنت أفرح جداً عندما كانت أمي
تأخذني عند تلك الختيارة. لم تكن تسكن وحدها خالته أم كاسترو، بل كانت تسكن هي
والقطط التي تحرص دوماً على إطعامهن، وتسكن أيضاً مع الوردات التي تزرعهم بيدها كل
يوم منذ الفجر في تنكات الحديد، فمنهم بعلبة نيدو، الأخرى بعلبة سمنة الغزال،
وأخريات بتنكات زيت انتهت من استخدامهم في البيت. ذهب البيت، وأجبِرت خالتي الخروج
منه، وذهبت الأقواس، والدرج القديم، والقبب من الداخل، عدا عن الأناطر، والزجاج
الملوّن. ذهب البيت مثل أي بيت آخر في مدينتي. فشلت بلديتي الحفاظ عليه كجزء من
تراث المدينة. فصدى صوت المال أعلى من حجر وضعه أجدادنا واحد تلو الآخر.
صوت المال أعلى من صوت بيت شكرية التي كان بيتها مقابل بيتي. ذهبت شكرية وأخيها موسى
رحمهم الله، وذهب معهم البئر المبني بحد البيت، عدا عن الحمام والمطبخ الخارجي للبيت.
ذهب الذي كلما كنت أدخله، خاصة في فصل الصيف، أذكر برودته. برودة معتدلة لجسمي،
بالإضافة لصقفه العالي، وبلاطه المنقوش اليدوي العتيق. عدا عن نوافذه المقوسّة
الطويلة. أذكر بصغري كلما كنت أدخله، وكأني أدخل في مغامرة، فالنوافذ عالية جداً
إلى حد لا أتمكن من رؤية الخارج، لكن حتى اللحظة أذكر أشعة شمس تدخل البيت
منكسرة بفعل ألوان النافذة المرسومة على شكل مثلث، مربع، ومستطيل.


0 comments:
Post a Comment