Tuesday, August 2, 2016

طريق لبنان، الحدود الأردنية- الإسرائيلية- الفلسطينية... أنامل يدي سرقتني مع أفكاري لمنحى لم اتوقعه!

هذه ليست خاطرة، ليست مقال، ليست تقرير.... بدأت كتابتها على أساس أن تككون مقالة معلوماتية، إلا أنّ أنامل يدي أخذتني إلى منحى لم أتوقعه، فبالرغم من ذلك، أصررت على نشرها على مدونتي، لأن كل لحظة في الحياة تستحق التوثيق... تصبح ذكرى، ولعل يوما ما نقارن أيام المستقبل مع أيام الماضي، ولعل أيام المستقبل تكون أجمل بكثير من الأيام الماضية.

العديد ممن التقيت فيهم خارج حدود فلسطين، وعلموا قدومي منهاـ استفسروا عن كيفية سفري وخروجي من فلسطين. عدا عن ذلك، كثيرون أرادوا معرفة تفاصيل عن الحياة في فلسطين من ناحية اجتماعية، سياسية

في طريقة عودتي من لبنان إلى فلسطين، وجب عليّ المرور بالأردن بحكم عدم وجود مطار فلسطيني. لذا قمت بالسفر من لبنان إلى الأردن باستخدام المطارات، وتلك الرحلة لم أجد أسلس منها. ساعة واحدة في الطيارة تكفي أن توصلك إلى الأردن، ولو تواجد مطار فلسطيني لاستخدمت طيارة من لبنان لفلسطين وقت أقل حتى. بعدما وصلت مطار الأردن، سيارة أجرة نقلتني إلى الحدود الأردنية- الإسرائيلية- الفلسطينية. هناك تنتهي معاملتك كإنسان، وتبدأ معاملتك كدجاجة في قفص، لا تكون دجاجة وحيدة فيه، إلا إذا كنت ابن وزير أو سفير، فحينها تتم معاملتك كديك رومي في سيارة من أحد الموديلات مكيّفة بمكيف بارد. فعندما تكون دجاجة، يكون معك ما يقارب خمسون دجاجة أخرى في باص يكاد يصلك المكيف البارد، ذاكرة أن سفرتي كانت أثناء موجة الحر في شهر رمضان الفضيل. قبل دخولك الباص تقوم بالمرور على الجهة الأردنية لختم جوازك الأردني المؤقت "وهو جواز تتكرم المملكة الأردنية الهاشمية عليك فيه لتسهيل السفر دون أن يتم اعتبارك مواطن أردني، كون الجواز الفلسطيني من الممكن أن يعطّل حواسيب المطارات الدولية كونه ليس معترف فيه في معظم دول العالم، وفي أحيان أخرى من الممكن أن لا تحصل على تأشيرة أي فيزا على جوازك الفلسطيني". عند دخولك الجهة الأردنية تدخل قاعة كبيرة تسلّم فيه جوازك وتنتظر الموظف بالمناداة عليك لتسترجع جوازك قبل الخروج إلى الشارع لترى أين حقيبتك السفر "مرمية". تسارع بإحضار حقيبتك، تسارع بالصعود إلى أحد الباصات الموجودة، إن تواجد باصات من الأساس، وسرعان ما يأتي باص حتى يبدأ المسافرون بدفع بعضهم البعض بطريقة غير حضارية في سبيل تأمين مقعد لهم في الباص. هؤلاء الأشخاص نفسهم لا يدركون أن الباص الذي سيدخلونه سيجلسون فيه ما يقارب الخمس ساعات متواصلة، منتظرين إشارة مرور سفيهة تقلب للون الأخضر من قبل الإسرائيليين حتى يتسنى لسائق الباص القدوم للجهة الإسرائيلية التي تبعد عن الجهة الأردنية أقل من كيلو متر واحد. الجانب الإسرائيلي يعمل حسب مزاجه، يأخذ استراحات، يخاف من فوبيا الفلسطينيين، وفي بعض الأحيان يترك إشارة المرور حمراء حتى تصبح قاعتهم خالية من "الإرهابيين الفلسطينيين" قبل استقبال إرهابيين أو دجاجات أخرى. بعد معاناة طويلة تصل للجانب الإسرائيلي، تتأكد من إزالة كل ما يحتمل الرن أو الدق أثناء مرورك بباب حمايتهم وأمنهم. لا يقتصر عليك إزالة حزام بنطالك، ساعتك، قلادتك، وفلوسك، حتى وإن لم ترن على أبواب حماية وأمن دول أخرى. فمن الطبيعي أن الحاجات التي لم ترن على أبواب أخرى ترن على الجهة الإسرائيلية، الكثير من الفلسطينيين ينزعون حذائهم، ويرفعون قميصهم ليطمئن قلوب الجنود الإسرائيليين المدججين بالأسلحة أن تلك الدجاجات لا تحمل أي حزام ناسف. قبل الدخول بأول بوابة  تقوم بإحضار لاصقة تضعها على حقيبتك قبل إدخالها بنفسك على الشريط الخاص بالحقائب، ثم تعطي جوازك للمجندة كي تضع لك لاصقة على الجواز من الخارج باللغة العبرية، فإن لم يعجبها مظهرك، لا تستغرب من كتابتها على اللاصقة أن تدخل تفتيش، كما حصل معي المرة السابقة، وإن لم تدخل تفتيش تكمل سيرك حتى الوصول إلى البوابة الأخرى التي تعطي فيها جوازك لمجرد النظر إليه دون ختمه بعد. تكمل طريقك، تدخل إلى الجهة الأخرى لختم جوازك، وفي تلك المرحلة من العادي جداً أن تدخل تحقيق، كما حصل معي هذه المرة. يحجزون جوازك حتى يقرر جندي بمناداتك للاستفسار عن بعض الأمور، ثم يقول لك استرح حتى يناديك جندي آخر لأسئلة أخرى. بعد قضاء ساعات في الباص، تقضي ساعات أخرى في قاعة مكيفة تكاد أن تمرض فيها حتى يتفضل مسؤول من الإسرائيليين بمناداتك من أجل مقابلة ثانية. في المقابلة الثانية يتواجد اثنان، واحد منهم يراقب لغة جسدك، والآخر يستفسر عن بعض الأمور، عدا عن إجبارك الوقوف بمكان معين فيه كاميرات مراقبة عدة لمراقبتك عن كثب، بعد أسئلة عدة تسترجع جوازك لتكمل طريقك. تمر الساعات، تمر المقابلات، تمر الدجاجة عن أبواب عدة، حتى البوابة الأخيرة التي تعطي فيها جوازك لمجندة يكاد عمرها من عمر جدتي، لتتأكد إذا انتهت حقائبك من التفتيش اليدوي أم بعد، إن خرجت تكمل طريقك للحرية المحدودة، وإن لم تخرج بعد، الدجاجة عليها البقاء في الثلاجة حتى حقيبتها تخرج بسلام. بعد ذلك تصل إلى الجهة الفلسطينية التي يرمون فيها حقائبك مرة أخرى في قاعة كبيرة يملؤها صور ياسر عرفات ومحمود عباس -لا أدري لماذا- لا يقوم الموظفون بعمل أي شيء سوى التأكد من أن الصورة على الجواز هي نفسها أنت! وكأن الأردنيين والإسرائيليين سيتضامنون مع الدجاجات في حال استخدام أحداهم جواز آخر ليس لهم. تأخذ حقيبتك، وتلذ بالفرار إلى الحرية، إلى أراضٍ لن تجد مثلها في أي بقعة أخرى من الأرض، من الصحيح أن تلك الأرض هي قفص، إنما قفص ذهبي، تحبّه أكثر فأكثر لمجرد مرورك بتلك التجربة المرّة، المذلّة، والساحقة لكرامتك، لتثبت للسابقين بأحقيتك بأرضك مهما حاولوا إذلالك.

0 comments:

Post a Comment