مقالي الذي تم نشره في جريدة قريش الصادرة في لندن- الرابط بالاسفل
رام الله – مريم جنى نابوت
بعد نضال شديد، إرهاق، وعرق يسيل من جبينه، ما يزيد عن الثماني ساعات وهو يعمل، عدا عن الحاجز الإسرائيلي الذي يقف عليه منذ شهر كل يوم من الساعة الخامسة صباحاً ليصل عمله بالوقت المحدد… لا يشتري فطوراً ولا غداءاً حتى يؤمن راتب الشهر للعائلة، يعود إلى البيت متعباً، إستحمام سريع ليخلد إلى النوم، يشطب يوماً بات قديماً عن روزنامة الحائط، ها قد جاء اليوم الثاني عشر من حزيران.
في فلسطين، في بلاد محتلة منذ أكثر من ستة وستين عام، حين يسمع فيها أحدهم من خارجها تراوده تلك الصورة الذهنية عن الصواريخ التي تتطاير في المساء، أو حواجز التفتيش المهينة، أو أم الشهيد التي تنوح فوق جسد ابنها الذي استحم خارجاً من المنزل لصلاة العشاء في المسجد وعاد محملاً على الأكتاف، أو حصار فاق الست سنوات للأهل في غزة، أو انعدام الكهرباء هناك… أو حتى الأسرى القابعون في سجون الإحتلال وعددهم الخمسون ألفٌ، منهم ما يفوق المائتين أسير تخطوا اليوم الخمسين في إضرابهم عن الطعام نتيجة أسرِهم دون محاكمة تحت بند الملف السري… فبالرغم من كل تلك المعاناة، هناك نور يخرج من ثقب صغير في نهاية الممر المليء بالأمل، هي فلسطين التي بالرغم من كل معاناتها يعرف الشعب الفلسطيني كيف يفرح.
كيف يفرح؟ وهو يعاني كل المعاناة ليحصد راتبه بعد ثلاثين يوماً؟ عن طريق انتظاره المونديال الذي يأتي بعد أربع سنوات، ليشتري “الريسيفر” الجهاز الخاص بمشاهدة المباريات ليتمكن من مشاهدة كافة مباريات كرة القدم، هو وأولاده البالغ عددهم ثمانية، وزوجته التي ما أنفك زوجها يحدثها عن فريق مميز حتى باتت تتابع بشغف، عدا عن أولاده الذين لقنهم عن هذا الفريق الذي يشبّه بالماكينات لقوته، وذاك الذي يعرف لقوة تحمله، أما الآخر لا يستحق مشاهدة مباراته حتى! وعندما كبر إحدى أولاده وانضم لتشجيع الفريق الخصم مما يشجع الوالد؛ لم يعد الأمر يشبه (أيام زمان) فالآن اختلف الوضع بوجود فريقين في البيت، على الجانب الأيمن الفريق الأول بوجود طاولة تفصل خمسة أبناء وأب وأم عن الجانب الأيسر للفريق الخصم الذي يضم ثلاثة أبناء المتبقون، وهكذا استمرت الأيام بضحكة من هنا، واستفزاز من هناك، وانتماء يفوق انتماء الفلسطيني لحزبه بعدما اختلفت أجندة الأحزاب وسياستهم في الحكم… فحكم مباراة أعدل من ألف حاكم قضاء أحياناً.
في فلسطين… نعرف الفرح، بالرغم من المحتل، وبالرغم من كل المصائب التي تتساقط علينا من حكومة أو غيرها، بالرغم من الاعتقالات السياسية التي يتعرض لها بعض أفراد الشعب بسبب انتماءه لحزب هنا أو هناك، هنا… نفرح بالرغم من وجود الفساد المتفشي في البلاد، نفرح أيضاً بالرغم من وجود مناصب كاذبة وعالية يشغلها خريجون بواسطات أحدهم لا يفقهون شيئاً بعد، بل يجلسون خلف مكاتب إن التزموا أصلاً بعملهم لسرقة آلاف الشواقل تحت مسمى راتب، وبالرغم أيضاً من قرار فاشي من حكومة تقرر إلغاء وزارة أسرى، لتهميش قضيتهم، وزارة تتحول لهيئة، شعب صامت لم يعد يكترث لسبب بسيط وهو فقد ثقته بحكومته… حتى المصالحة الفلسطينية التي لطالما كان ينتظرها الشعب بشغف، وخاصة الأهالي في غزة، فقدوا الأمل…. والآن يبعد عن الانتخابات الرئاسية الفلسطينية أقل من ستة أشهر، والشعب لم يعد يهتم… بل يهتم بشيء واحد…
فرحة كبيرة لعائلة صغيرة، خطط مدروسة بعد مشاهدة المونديال… والذي سيحمل مئات العائلات من الأرض إلى السماء أثناء المشاهدة لنسيان هموم الاحتلال، والحكومة، الحواجز، والمصالحة، الانتخابات، والأكاذيب… وبعدها بفترة قليلة، سيبحث عن موضوع آخر ليفرح فيه مهما تطلب الأمر، مثل دوري إسباني، أو انجليزي أو حتى إيطالي لكرة القدم… ما يهم إيجاد تلك البقعة التي تشعّ نور وأمل مهما أقفلت الدنيا أبوابها أمامهم. هو هروب من يأس السياسة، من خلال مشاهدة متعة الكرة التي يلجأ إليها المسن والشابات قبل الشباب في يومنا هذا.
لقراءة المقال على وكالة قريش اضغط هنا


0 comments:
Post a Comment