بقلم: مريم جنى نابوت
مقالي الذي تم نشره في راديو بيت لحم 2000، وتلفزيون الفجر الجديد
مقالي الذي تم نشره في راديو بيت لحم 2000، وتلفزيون الفجر الجديد
لم نعد نقول صباح ومساء الخير، بل صباح الشهيد ومساءه... في كل يوم يرتقي شهيد وأكثر، منهم أطفال، وآخرون طلاب جامعات، كطالب الإعلام الذي حاول إظهار فجائع الاحتلال، وآخرون حوصرت بيوتهم ونُسِفَت، وآخر كان قاضٍ اخترقت جسده عدة طلقات على المعبر الحدودي المُسمّى معبر "الكرامة"، هذا ليس فيلم هندي، هذه فلسطين!
آهات أم، تنهيداتها ودمعاتها، تسمعها أينما كنت، سواء كنت في شمال البلاد، وسطها أو جنوبها، سواء كنت في المدينة، في القرية، أو في المخيم، أينما ذهبت ستسمع أمٌّ تحدّث ولدها الذي رحل بجسده وترك لها ألم وحسرة، ترك أملً وعزيمة.
في بيتين، قضاء رام الله، وبعد عودة ساجي من جامعته جامعة بيرزيت، تناول وجبته الأخيرة، استحم وصلّى، وذهب ليطمئن على أغنامه، ودّعها قبل أن تُزرَع الرصاصات في جسده الندي بدقائق، ظنّ الجميع أنه استحق الشهادة، فهو لم يكن كغيره، هو طلبها وصلّى لأجلها، وشهدت صفحته على الفيسبوك على ذلك، فكانت جنازته زفّة عريس مشى فيها الآلاف من داخل الجامعة وحتى المثوى الأخير، وفي الطريق بين هذا وذاك، امتزج البكاء والصراخ بالحزن والغضب.
وقبل ذلك بعدّة ساعات قُتِلَ أردني من أصل فلسطيني على الحدود الفلسطينية الأردنية برصاص الاسرائيليين، اتّهموه بمحاولة سرقة سلاح، بينما الحقيقة تقول أنه استفزّ المجنّدة بكلامه حين قال إرجعي لبلادك فهذه أرضي أبّاً عن جِد. هذا الفلسطيني هو قاضٍ في عمله، وأب في بيته لطفلٍ مريض، فذهب ليبيع قطعة أرضٍ ليدفع بثمنها تكاليف علاج ابنه ذو الخمس سنوات، قتلوه عالمين أن القانون لن يثأر حتى لابنه. أثار الحدث مشاعر الشعبين على ضفتي النهر، فخرجت مسيرات لتشييع جثمانه على الجهة الغربية، بينما خرجت جموع غفيرة على الجهة الشرقية مطالبة حكومتها بطرد السفير الإسرائيلي، وفي الطريق بين هذه الضفة وتلك، امتزج البكاء والصراخ بالحزن والغضب.
وقبل ذلك بعدة عدة أيام، وفي بلدة بيرزيت، اقتحمت سيارات الاحتلال العسكرية المنطقة وحاصرت إحدى الأحياء السكنية، أمطرت إحدى البيوت بوابل من الرصاص والقنابل، تجمهر الناس بأيدٍ مكتوفة، حاول الدفاع المدني التدخل لكن دون فائدة، استمر الهجوم حتى ارتقى الهدف شهيداً. هو ليس عسكري، ليس إنسان مدرّع خطير، هو شاب في مقتبل العمر، أخذته إسرائيل سابقاً للأَسر، وأفرجت عنه بعد حين، وبعد فترة وجيزة عادت لتستهدفه من جديد، عرفت أن أَسره لن يكسر شوكته ولن يثني عزيمته عن إكمال حياته بشكلٍ طبيعي، فليس لديه شيء يخفيه ولا شيء يحاسبوه عليه، فأصرّوا على قتله. قتلوه فقامت بيرزيت ولم تقعد، ساعات مرّت وانتهى نهار الخميس، طلعت شمس صباح الجمعة على الجميع إلا على أمّه، بقيت الدنيا من حولها ظلام، وستبقى، حملوه إلى مرقده الأخير، ألقوا خطابات وكلمات طويلة منددة، وبين بداية ونهاية كلٍ منها، امتزج البكاء والصراخ بالحزن والغضب.
مسلسل الشهداء هذا لا ينتهي في وطني، وكيف نريده أن ينتهي ونحن غارقون فيما نحن غارقون فيه، فنحن مقسّمون إلى فئات، فئة إنشغلت بالمال والأعمال والتجارة لدرجة أنها نسيت عدوها، فتاجرت معه ورافقته واتخذته صاحباً، وهي فئة المطبّعين، وفئة استكفت بسقف على رأسها وطعام في برّادها ومشت بجانب الحيط وقالت الستر يا ربي، وهم فئة المسخمين، وفئة ملّت من الواقع وكفرت به فاتخذت المراقص والملاهي مرتعاً لها، وهي فئة الساقطين، وفئة رأت المواشي تمشي وراء صاحبها الذي يطعمها ويسقيها وينيّمها بأمان فهتفت لراعيها وحاكمها دون تفكير، وهي فئة الخراف، وبقيت فئة واحدة، هي القلّة القليلة التي ترى بصيص أمل في نهاية النفق، هذه الفئة رفضت الإستسلام للواقع، فآمنت بحقها ووطنها وقرّرت أن تناضل بشكلٍ أو بآخر، بحجرٍ أو قلمٍ أو كلمة، هذه الفئة هي التي ضاعت بين مزيج الغضب والبكاء، وجفّت بعد أن جفّ الدمع وهدأ الغضب... هذه الفئة هي التي ينتمي إليها ساجي درويش، رائد زعيتر، ومعتز وشحة الذين تكلمت عنهم، هم لحقوا غيرهم، وغيرهم سيلحق بهم، ستستمر الحياة دون ضمانات لما ستكون النتيجة عليه، لكن يجب أن نؤمن ببصيص الأمل الذي عبّدوا هم الطريق نحوه من أجلنا جميعاً، فلا تقطعوا الطريق، ولا تضيّعوا ما بنوه... لا تضيعواكما ضاعوا بين مزيج البكاء والغضب!
هكذا بالضبط بتنا نرى فلسطين، فقط الفئة المهمّشة من الفقراء والفدائيين يقاتلون ويدافعون عن الوطن، وآخرون لا يهمّهم سوى تطبيع وكأنه الموضة الجديدة كي تكون متحضر. فئة المطبّع لا يرى فقير، بل يرى جندي إسرائيلي في بيته ليس لهدمه كبيت الفقير، بل للفطور أو للغداء، لم يعد عنده الحس الوطني –هذا إن امتلكه من الأساس- بل ما يهمّه المال، حتى وإن كان على حساب الكرامة. نرى فقير لا يهمّه مال بقدر كرامته التي مهما حاول الاحتلال تدنيسها وإذ تطلبت استشهاده، كآخر يهديه إسرائيلي تراث فلسطيني مسروق كقطعة تطريز أو كوفية زرقاء منقّشة بنجمة داوود. هذا الانفصام الذي يعيشه الفلسطيني، ليس نفسه، إنما انفصام فلسطين بين من يراها وطن، وآخر يراها دولة (بلا عضو).
على تلفزيون الفجر الجديد:
http://www.alfajertv.com/pens/837258.html


0 comments:
Post a Comment